كنا وللآن نعرف مقامك الرفيع الذي لا تطاوله قامة بما حباك الله من إقدام وشجاعة يصفها القريبون منك بـ'الشجاعة التي تجاوز حد التهور' .. نجلس أمام أجهزة الكمبيوتر ؛ وتعالج أنت لأواء الحروب بجراءة وعلو نفس لا تساميه أحلام شجاعتنا. وفارق كبير بين أن يحوم المراسل الحربي حول الحدث , وأن تصول بين جنباته كليث لا ترهبه المنون.. فارق كبير بين أن تذهل عن الحقيقة أو تكتفي بسماعها , وأن تملك جرأة البوح بها والذهاب لأبعد مدى مريع لكي تتأكد منها وتطلقها كسهم لا يعرف المداراة ولا التمويه. وفارق شاسع بين اتخاذ الكلمة أمانة والحقيقة رسالة والإعلام وسيلة صدق , واتخاذ الكلمة مطية لجمع الدولارات والإعلام وسيلة كذب وتلفيق. منذ أيام , كان بإمكانك أن تصاحب أبا مريم في طرقات الأنبار يتنقل فيها بخفة هنا وهناك ليرصد ما جرى وما يجري من ملاحم المقاومة العراقية منطلقا من إيمانه بضرورة أن تصل الحقيقة للناس غضة كما تراها الأعين الشاهدة , وقد تواتيك شجاعتك أو تقصر عنك وتدعه وحده يتوغل للتغطية مخترقا حواجز التعتيم لمسافات أكثر مما ينبغي .. قد تواتيك هذه الشجاعة ـ أو لا ـ لتدرك حجم التضحية التي كان يقدمها شهيد الموقع بسبيل الوصول إلى معلومات موثقة لا يرقى إليها شك تجود بها رسائله الصوتية لنا بتغطية الأحداث الجسام أولا بأول. من الصعب أن تحيط بك زخات الرصاص , وتسمع لعلعته من حولك ؛ وأنت تنظر في ساعة معصمك لتحدد وقت العملية بدقة أو تهاتف زملاءك بشأن هذه العملية , من الصعب أن يتوافر المرء على ثبات قلب يجعله يتخذ اتجاها معاكسا تماما للفارين من رائحة البارود , وهو أعزل إلا من عين فاحصة وقلب واع ونفس سامقة. أبا مريم .. هل ترانا نسينا كم واجهت من محن كادت تودي بحياتك من قبل وأنت تقف رافعا هامتك في وجه الردى غير مبال بكل تحذيراتنا وتحذيرات زملائك بالحفاظ على حياتك ؟ لن ننسى يوم أن وقفت تغطي أحداث الفلوجة فانفجر لغم أرضي بسيارة همر وانبطحت حينها لتنجو بأعجوبة وتقوم لتخبرنا بما حدث .. لن ننسى وإن كنا وقتها وجدنا ووجدت رغم كل هذا من يجلس متكئا على أريكته يرتشف فنجان القهوة الإنجليزية ويرفع عقيرته مشككا بهذه التغطية المتميزة .. لن ننسى ذلك , والمشهد يتكرر كل يوم أثناء حصار الفلوجة والرصاص يطلق عليك بالذات لاقترابك لأكثر مما ينبغي من خطوط تماس القتال لنقل صورة دقيقة لما يجري هناك. لسنا ننسى حين كان يضحكك ما تبثه وكالات الأنباء والفضائيات عن 'معارك شرسة وطويلة لم تسفر عن قتلى أو جرحى'!! , كان يضحكك ويؤلمك في ذات الوقت هذا السخف الذي يتعارض مع العقل الصحيح الناضج , ويدعوك للقول 'هل يظنون الناس بهائم لا تفهم؟' لن ننسى بشاشتك التي لم تفارقك حتى وأنت تغطي بعض الأحداث الهامة من خلفية سيارة وتهاتفنا والجنود الأمريكيون قبالة سيارتك ونحن ندعوك خلال المكالمة إلى تخفيض صوتك خشية أن تدركك المخاوف. هل ننسى أنك بإصرار شديد قمت بتغطية أحداث مدينة القائم على الحدود السورية بنفسك، حيث تقع من الأعمال البطولية مثلما يقع في الفلوجة، وذلك على الرغم من عظم المخاطرة إلا انك لم تأبه لتحذيراتنا المستمرة ولم يكن منك إلا أن قلت بلهجتك العراقية الجميلة '' يابا الموت واحد والطريق أشكال... سيارة رصاصة أو غيرها'''. أبا مريم .. بالتأكيد قد افتقدناك كإعلامي محترف .. كمركز معلومات متحرك .. كوكالة أنباء يمكنها أن تنهب أرض المعارك ذهابا وجيئة وتنتقل إلى 8 مناطق ساخنة في فترة وجيزة بيوم واحد لتنقل لعموم المهتمين بالقضية العراقية الحقيقة مجردة جلية .. كرجل معلومات ومحل ثقة ومقصد الكثير من المراسلين لما يجدونه لديه من معلومات موثقة يضعها الفلوجين بين يديه ثقة فيه وإيمانا بمصداقية رسالته الإعلامية. كان الشهيد حريصا على نقل الأحداث العسكرية بدقة وفرتها له خبرته وقدرته العالية على تحديد نوعية القذائف من صوتها , وكذا تحديد أنواع الطائرات من صوتها كذلك رغم تشابهه أحيانا [ كطائرات F-16 و F-18 ] , وكان إلى جوار ذلك لا يهمل الجوانب الإنسانية التي يمر بها الأهل في العراق , فكان حريصا على إجراء لقاء مع أربع فتيات عزمن على الشهادة بعد وفاة أبيهم [لم يكتب لهذا الحوار الاكتمال لظروف إجرائية] , وحريصا على تتبع مشاركات الأطفال في المقاومة العراقية , وكان كثيرا ما يقول عن هؤلاء الأطفال :'هؤلاء عراق الغد'. افتقدناك أبا مريم رجلا خفيف النفس .. صاحب ديانة وصدق .. وصاحب رأي وفكر .. طريف اللسان قوي البيان حلو الشمال جميل الصفات .. طموحا .. حالما بأن تقيم مركزا إعلاميا ضخما في الأنبار ينقل للناس ما يستر عنهم عن عمد. وبدأت ـ رحمك الله ـ في تحقيق حلمك بأن كونت لـ [مفكرة الإسلام] شبكة واسعة من المراسلين الأكفاء على امتداد الأراضي العراقية، فجعلت مراسلاً لكل من النجف، الناصرية، الحديثية، الرمادي، الصقلاوية، سامراء، وأما البصرة وبغداد فبكل واحدة منهما مراسلين، أما الفلوجة حيث الملاحم البطولية فهناك جعلت 3 من مراسلي المفكرة. أبا مريم، يبقى لنا سؤال، لقد سقطت في غيبوبة الجمعة الماضية وقبل أن يختارك الله فيمن عنده فجر الاثنين، قمت يوم الأحد مبتسمًا ناظرًا لمن حولك، واستبشر الطبيب خيرًا، فإلى من كنت تنظر ولمن كنت تبتسم؟؟ ، نسأل الله أن يتغمد الله شهيدنا برحمته, ويرفع منزلته ويسكنه الفردوس الأعلى .. أما أنت يا مريم , فنحن هنا مقام أبيك وإخوانك وأهلك .. ويهنأك مقام أبيك بين أحبائه ومن قبل ومن بعد عند الرحمن ـ إن شاء الله ـ , ولتهنأك سيرة أبيك الطيبة التي ستفخرين بها حين تكبرين. مريم .. بنت الأربع سنوات قد لا تدركين كلامنا هذا الآن .. لكنك حتما ستدركينه يوم تكبرين وترين دم أبيك مازال ثخينا دافئا يشهد الجميع في الأنبار أنه أبقى من الاحتلال الزائل يوما ما. وبعد .. كم يكفي الجالسون على الأرائك ؛ يقذفون بالغيب من مكان بعيد من شهداء ليدركوا حجم هذه التضحية ومقدار المصداقية التي يتمتع بها مراسلو 'مفكرة الإسلام' بها ويحرصون عليها إلى أن تزهق أرواحهم واحدا تلو الآخر [غدونا الأكثر تقديما للشهداء من المراسلين بأكثر مما يتوافر لأي وكالة إعلامية أو فضائية عربية] ؟ كم يكفي لأولئك الذين لا يؤمنون بمصداقية الخبر إلا إذا هبت رياحه من الغرب بقلم / أسرة 'مفكرة الإسلام' المكلومة
الاحد, 19 اغسطس, 2007
بسم الله الرحمن الرحيم
مفكرة الإسلام : نحن هنا أمام ديسك الأخبار ـ في إدارة التحرير ـ ندرك بكل معاني الكلمات كم أنت كريم الخصال حلو الشمائل .. كم أنت كبير ..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










